هل تلفظ مكناس آخر أنفاسها.. ثقافيا؟

صدى مكناس/زهير السليماني:


تبدو لك قبتها فلكا يطاول أعنان السماء، خضراء تسر الناظرين، كلما هممت بالمرور قربها، إلا وألفيت لها طنينا، تبعثه اليافطات واللافتات المعلقة هنا وهناك، والمتجددة على مدار المواسم، حتى لتظن أنها "أغورا" يونانية أو "بيت حكمة" عباسي، أو حتى "كعبة" بيضوية، لا ينقطع صف حجيجها، ولا يضيق بهم أهلها بالوفادة والسقاية والثقافة..


إنها دار الثقافة، مضخة دماء الفكر في جسد المكناسيين، وباعثة الوعي في كيان المجتمع المكناسي، ومنصة راية مكناس، وهو ما عليها عليه أن تكون، لكن هيهات أن تكون عليه.. وما أبعدها عن دورها الطلعي، ووظيفتها العضوية، وغرضها المُنظر المنشود!
فهي تعوز الغاية ولا تعوز الوسيلة، وتعدم الرؤية ولا تعدم الفعل. إذ لا ينكر من يهتم بالشأن الثقافي بمكناس، إقام أنشطة ثقافية متفرقة، وليست متنوعة، متفرقة لأنه لا يربط بينها رابط جلي ومنطقي ومعلن.. فما بين مهرجان رقص ومهرجان غناء ومهرجان فولكلور، تبرمج بعض المسرحيات لنفس الوجوه والفاعلين والمخرجين.. فيتساءل المكناسي عن فحوى هذه الأنشطة؟ ولا يشك في كونها أبعد ما تكون، عن الثقافة وتثقيف المكناسيين، اللهم إذا كانت دار الثقافة تروم تخريج الراقصين والمغنيين أفواجا أفواجا، لربما يتمكن للمدينة بهم تحقيق تنميتها، المعطلة منذ سنين بفضل عطل السياسيين وعطالة المسؤولين.
ثم على مستوى الأنشطة التكوينية، أينها ورشات الكتابة؟ الرسم؟ المسرح؟ الموسيقى؟ يجيب مجيب، بأن هناك بعض الورشات، التي لا ننكر وجودها المحتشم.. فنتساءل عن مستوى المكونين العلمي، وتخصصاتهم الأكاديمية، التي خولت لهم الإشراف على هذه الورشات؟ ونقول هذا، ليس من نافذة الطعن بل من باب "لكي يطمئن قلبي"، حيث لا يرى جل المكناسيين مردودا، للمنجزات المسطرة أدبيا على أوراق التقارير المرفوعة إلى الجهات المسؤولة! يُصدق هذا الارتياب سحب بساط تنظيم المهرجان الوطني للمسرح من تحت أقدام مسؤولي الثقافة ودارها بمكناس، وإلا فما تعلة ذلك وتفسيره؟!
هل تعدم مكناس شبابا، مبدعين أو مكونين أو كتاب أو مخرجين؟ جمعوا بين الموهبة الفطرية، والصقل الأكاديمي العال؟ طبعا لا، واللائحة تطول إذا ما تطلب الأمر، اقتراح سير ذاتية، تحديا أو فضولا أو عن حسن قصد ونية.. فلما لا نجد بعضهم، ضمن المشتغلين في فضاءات دار الثقافة؟ أيتعلق الأمر ب"الحكرة" والاحتكار حتى في الثقافة؟ أم بضعف التواصل وسوء التعاطي مع المبدعين والمثقفين بشكل أوسع؟! وفي كلتا الحالتين، بالأمر أود يقتضي تثقيفا، فمكناس تنغل بالطاقات المعطلة، التي -على مايبدو- يُراد لها الوأد قبل المولد، درءا للفتنة وقتلا للتهديد في المهد، فتنة المنافسة وتكافؤ الفرص، وتهديد النجومية وهالة البطولة، وهو –لعمري- مفسدة الشأن كله، فما في المنافسة الشريفة، والتشارك مع الآخر، تهديد للمصلحة العامة والخاصة.. اللهم بالنسبة للفكر الذي اتخذ من هذه الخلفية مرقاة نحو غايات دنى..
ثم، لما لا تفتح دار الثقافة أبوابها وتشرع نوافذها؟ لكل مبدعي ومثقفي العاصمة الإسماعيلية، وتحتضن إبداعاتهم، ثم تنتقي الغث من السمين، فتفسح لهم مجالا أرحب للتعبير والإنتاج؟ بدل الاكتفاء بأسماء مسكوكة ومكرورة –لا ننتقص من قيمتها- لكن الثقافة شراكة وتداول بين الأجيال والفئات والشرائح، الثقافة لا تعتد بالإيمان أو الولاء أو المنصب أو الطبقة أو الجيل.. بل بالمزج بين كل هاته العناصر، وصهرها في بوثقة واحدة، هي الفن، هي الإبداع، هي الثقافة، كقاطرة للتنمية بالمدينة.
كما أن الثقافة ليست المسرح وحده. ولا المبدع فلان دون غيره. وليست منصبا بل هي وظيفة يؤديها صاحب المنصب، لتيسير مأمورية المبدعين، بدل تعسيرها بمنعهم من الخشبة، أو حرمانهم من المعدات.. والتضييق عليهم بالسلم والقوانين الإدارية حتى "يخرج الذي ضاق"! مقابل ذلك، الترحيب بالمؤسسات الخصوصية، لإقامة حفلاتها وإشهار منتوجاتها، وجلب المستهلكين، فماذا يستفيد المكناسي من هذا، معنويا وماديا؟ وماذا تزداد بهذا مكناس وأهلها ثقافيا وتنمويا؟
فالله الله، في المكناسي، بعدما أزهقوا روحه سياسيا، وحبسوا نفسه اجتماعيا، لا تحملوه –على كاهلكم- إلى مثواه الأخير ثقافيا!!

زهير اسليماني
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قيم الموضوع
(1 تصويت)

رأيك في الموضوع

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي صدى مكناس

لنشر مقالاتكم على موقعنا

نود أن نخبر جميع المهتمين أننا نرحب بالمقالات والمساهمات التي ترد إلينا من زوار الموقع وأعضائه وفق الشروط التالية :

* إرسال المقالات في صيغة Word إلى العنوان البريدي عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
* أن تكون المقالات المرسلة مختصرة وذات صلة بأهداف الموقع و توجهه وبقضايا الساعة.
* تقبل فقط المقالات المكتوبة بلغة عربية او فرنسية سليمة وخالية تماما من الأخطاء اللغوية والنحوية.
* تعطى الأسبقية للمواد الخاصة والتي يُجرى نشرها لأول مرة في البوابة الاخبارية صدى مكناس والموقعة بأسماء أصحابها الصريحة
}); })(jQuery);